.

سيف الله خالد بن الوليد – للجنرال أ. أكرم


سيف الله خالد بن الوليد – للجنرال أ. أكرم

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة السابعة

١٤١٤ه ١٩٩٤م

 مؤسسة الرسالة، بيروت

صبحي الجالي

مؤسسة الرسالة

تقديم المترجم

إن كتاب «سيف الله خالد بن الوليد» من تأليف ضابط باكستاني برتبة لواء، مسؤول عن تدريس مادة التاريخ العسكري في كلية القيادة والأركان الباكستانية وهو يبحث بالتفصيل وبأسلوب عسكري جيد في الحياة والتربية العسكرية لدى العرب في فترة ما قبل الإسلام وما بعده، وحياة خالد بن الوليد منذ نعومة أظفاره وحتى وفاته. كما أنه يحوي شرحاً مفصلًا لكافة المعارك التي خاضها أو قادها خالد مع إرفاقها بالمخططات، وكلها من المصادر العربية ويبدو أن المؤلف مطلع على الكتب التاريخية العربية بشكل جيد، وكذلك على بعض الكتب الأجنبية المتعلقة بذلك.

إن هذا الكتاب، بالإضافة إلى شرحه معارك الإسلام الأولى، فهو قصة أكبر قائد عسكري في عصره، وقصة المحاربين الأبطال الذين قاتلوا معه من نصر إلى نصر.

إن التاريخ الإسلامي يزخر بالإنجازات العسكرية الكبيرة والأعمال المجيدة التي حققتها جيوش المسلمين، ومع ذلك فإن التاريخ الإسلامي العسكري لم يكتب بشكله الصحيح إطلاقًا، كما أن القليل فقط يعرف عنه حتى في الأقطار العربية والإسلامية ناهيك عن باقي بلدان العالم.

إن هذا النقص في المعرفة كبير بالنسبة للقرن الأول للإسلام «القرن السابع الميلادي» وهذا مما يؤسف له. فعندما ظهر الإسلام في موطنه الأصلي في الجزيرة العربية، انتشر كالموج العاتي عبر معظم أقطار العالم المعروفة آنذاك. وتمت الفتوحات الإسلامية على يد محاربين شجعان يشتعلون حماسة للدين الجديد تحت قيادة قادة ملهمين وعباقرة ستظل انتصاراتهم خالدة على مر السنين.

وكان من أعظم هؤلاء القادة سيف الله خالد بن الوليد، البطل الصنديد الذي لم يقهر في أية معركة والذي دحر كل جيش تجرأ بالوقوف في وجهه.

إن هذا الكتاب يتتبع حياة خالد وحملاته، منذ أيام صباه في مكة وحتى آخر أيامه في مدينة حمص. والكتاب يعطي صورة واضحة وشيقة عن معاركه في زمن النبي، أو كمشرك، ثم كمؤمن. فهو يشرح معاركه ضد المرتدين، وفتحه للعراق في زمن الخليفة أبي بكر، ومسيرته التي لا تصدق إلى بلاد الشام، ومعاركه الرائعة التي خاضها والفتوحات التي تمت في هذه الربوع على يده.

ويكشف الكتاب أيضا الأحداث التاريخية الهامة التي لها علاقة أو صلة بمعارك خالد.

إن هذا الكتاب التاريخي الضخم يضم أحداثا كثيرة غير معروفة للكثير من الناس في عصرنا الحاضر. وهو بحث قيم للطلاب والمثقفين المدنين والعسكريين. وهو مكتوب بلغة سهلة وأسلوب شيق يجذب جميع القراء بغض النظر عن معرفتهم السابقة بالتاريخ الإسلامي

وهذا الكتاب في الحقيقة يعتبر الأول من نوعه، ويساهم مساهمة كبيرة في إحياء التراث الإسلامي، والمؤلف، وهو ضابط كبير في الجيش الباكستاني، أخذ على عاتقه تأليف هذا الكتاب في عام 1964 وعالجه کموضوع عسكري منذ أول صفحة وحتى نهايته، وتعلم أولا اللغة العربية لكي يستفيد من المراجع العربية المتوفرة، ثم حصل على كتب التاريخ التي ألفت خلال القرون الأربعة الأولى من الإسلام، ثم انطلق بعد ذلك للبحث والدرس والكتابة. وفي عام? 1998 و 1999، زار المؤلف جميع الأقطار العربية التي لها علاقة بأحداث الكتاب، وزار أيضا ميادين المعارك التي خاضها خالد في لبنان، وسورية، والأردن، والعراق، والكويت، والعربية السعودية. وقد أنهى الكتاب وراجعه قبل الطبع في منتصف عام 1969 أي بعد خمس سنوات من بدء البحث والكتابة.

العميد الركن صبحي الجابي

مقدمة المؤلف

يزخر التاريخ الاسلامي بانجازات عسكرية عظيمة وأعمال باهرة مجيدة قامت بها الجيوش الإسلامية، ولا يوجد في تاريخ الحروب معارك فاقت في بالقها وحسمينها معارك المسلمين، كذلك لايوجد قادة فاقوا، في الشجاعة والمهارة، قادة المسلمين الموهوبين. وقد كان السيف دائما مكان الشرف في الثقافة الإسلامية. ومع ذلك فلا يعرف الا القليل في العالم اليوم من التاريخ العسكرية الإسلامي، كذلك لا يوجد عمل واحد مکتوب من قبل مفكر عسكري ذي خبرة يستند على البحث الصحيح والدراسة الشاملة للأرض، والوصف التفصيلي للمعارك الإسلامية الشهيرة. وفي الحقيقة، لايوجد بحث حقيقي، بل على النقيض يوجد فراغ.

لقد علمت بهذا الفراغ في أوائل عام 1964، عندما كنت مدربا رئيسيا في كلية الأركان الباكستانية (كلية كويتا) . وبما انني كنت دائما تلميذا حاذقا في التاريخ العسكري، هذه المادة التي أدرسها من بين مواد أخرى في كلية الأركان، فقد شعرت بأنني قد اكون مؤهلا اكثر من العديد من العسكريين المسلمين لكي آخذ على عاتقي مهمة ملء هذا الفراغ في الأدب، وقد يحتاج التاريخ العسكري الاسلامي بكامله الى عدة مئات من المجلدات، لكن البداية، على الاقل، يمكن أن تتم، و قررت ان اقبل التحدي. ولسوف ابدا من البداية، وسأصف حملات خالد بن الوليد

لقد وجدت كمية كبيرة من المادة متوفرة عن المعارك الإسلامية الأولى، لكنها كانت جميعها باللغة العربية. اذ أن جميع اعمال المؤرخين المسلمين الأوائل أم تترجم، واذا وجدت التراجم فانها غير دقيقة في معظم الأحيان، كما انها كانت غير أمينة في بعض الأحيان بشكل مؤكد. وبالنسبة لمثل هذه الأبحاث، على المرء أن يعرف اللغة التي كتبت بها. لذلك قد نامت اللغة العربية. بعد ذلك اعددت المراجع التي تضم أعمال جميع المؤرخين الأوائل لكنني استبعدت منها جميع الكتاب، مسلمين او مسيحيين، الذين عاشوا وكتبوا بعد القرن العاشر الميلادي. وبما أن هؤلاء الكتاب قد حصلوا على معلوماتهم من المؤرخين الأوائل، فقد قررت ان اركز بشكل خاص على مصادر الأوائل. وبهذه الطريقة فقد تجنبت الوقوع تحت تاثير آراء وتخمينات الكتاب الذين كتبوا بعد القرن العاشر بأي شكل من الأشكال. وكان تحديد المراجع سهلا نسبيا، أما المشكلة الحقيقية فقد كانت في الحصول على هذه المراجع لانها غير متوفرة في الباكستان واثمانها في الأقطار العربية مرتفعة.

وبالنسبة لهذا الموضوع، فقد ساعدني اصدقاء معينون قدموا هذه المراجع بسخاء كمساهمة منهم في هذا المشروع. وهؤلاء الأصدقاء، الذين كانوا من تلامذني في «کوينا، هم: العميد مجيد الحاج حسن من الأردن، والعميد ه. يو. بابار من الباکستان، والرائدان نايف عون شرف وعبد العزيز الشيخ من السعودية. وهكذا أصبح في حوزتي مكتبة ممتازة تضم مؤلفات المؤرخين المسلمين الأوائل، وباقتناء هذه المراجع، ابتدا بحثي للموضوع.

من الأمور الصعبة التي تواجه أي باحث بتناول مثل هذا البحث هي غياب المعلومات الجغرافية. فالجغرافية تشكل القاعدة المادية الإستراتيجية العسكرية ولا يمكن أن يكون هنالك تاريخ عسكري دون معرفة الظروف الجغرافية السائدة في ذلك الوقت بدرجة معقولة من الدقة. ولقد كنت محظوظا بحصولي على مؤلفين جغرافيين ممتازين خاصين بالفترة الاسلامية الأولى وهما:. الأعلاق النفيسة، لابن رستة، ود البلدان، لاحمد بن يعقوب، ويشرحان بشكل مفصل الجغرافية المادية والسياسية في تلك الفترة. وبواسطة هذين المؤلفين استطعت أن أقيم ظروف طبيعة الأرض، وان احدد بدقة مواقع عدة اماكن لم يعد لها اثر اليوم. وقد قضيت عدة اسابيع في الدراسة المركزة لحل هذه المشكلة ولاعداد الخرائط التي ضمها هذا الكتاب.

بالنسبة لطلبي للخرائط، فقد تمت مساعدتي ابقا من قبل العميد مجيد الحاج حسن من الاردن، والعميد ه و بو، بابار من الباكستان. وكان آخر مساعداتي الجغرافية اطلس تاريخي من العراق اعده الدكتور احمد سوسه من بغداد، وهو يشمل بحثا ممتازا يغطي العراق وما جاورها.

ومع أن عمالقة الأدب التاريخي في القرون القليلة الأولى من العمر الاسلامي كانوا جميعهم على الأغلب من المسلمين (كذلك كانوا حقا عمالقة في معظم فروع الأدب) ، فقد كنت حريصا كذلك على دراسة بعض المؤلفين الغربيين لكي أقف على روايتهم للأحداث، وخاصة فيما يتعلق بالفتح الاسلامي السورية، وقد استطعت ان اتعرف على مؤرخين بيزنطيين هما السيفورس (1) ، وا نيو فانس، (2) ، وكلاهما عاش في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع، ولكن لسوء الحظ لم أجد أية ترجمة لأعمالهما باللغة الإنكليزية التي اعرفها. لذا قررت ان استند بالنسبة لوجهة النظر الغربية على ادوارد جيبون (3) “ذائع الصيت الذي يعتبر كتابه، انحطاط وسقوط الامبراطورية الرومانية»، مساهمة قيمة بدون شك في التاريخ، بالرغم من تحامله على المسلمين، وهو يعطي المامة خالفة فقط ولكن علي ان اكون قانعا بذلك بسبب غياب ادب غربي مفصل وثقة.”

وبينما كنت اتحاشى جميع الكتب المؤلفة بعد القرن العاشر للاسباب التي سبق أن ذكرتها، كنت مضطرا لدراسة مؤلفين معينين من هذه الحقبة المساعدتي في المسائل الجغرافية، بحيث تمكنت من جمع كل المعلومات الممكنة التي تجعل من هذا الكتاب اکثر دقة. وقد استخدمت بشكل واسع و معجم البلدان الشهير الذي الفه 1 با قوت، الذي عاش في اواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر. ومن بين الأعمال الجغرافية التي تنتمي للقرن الثاني عشر والذي كان اكبر مساعد لي كان كتاب «الفرات الاوسط»،

(1) Nicephorus

(2) Edward Gibbon

(3) Theophanes

الذي الله و الويس موسبل» (1) ، العلامة التشيكي الذي تنقل بشكل واسع في العراق وسورية في العقد الثاني من هذا القرن؛ وقام بدراسة شاملة الجغرافية المنطقة التي بجتازها نهر الفرات.

بعد أن اتممت دراستي الكنب واعداد المسودة الأولى، حصلت على اجازة من الجيش وغادرت الباكستان في أوائل شهر آب عام 1998.

قضيت اولا بعض الوقت في اوروبا، وبشكل رئيسي في لندن – في أ المتحف البريطاني – للبحث عن مؤلفات التعلق بالحملات الاسلامية ض د الإمبراطورية البيزنطية. لم استطع ان اجد اية ترجمة باللغة الانجليزية للكتاب الغربيين الأوائل، لكنني تمكنت من الحصول على بعض المراجع المفيدة من مكتبة المتحف.

في اواخر آب نزلت في بيروت، حيث بدأت رحلتي الميادين المعارك التي خاضها خالد بن الوليد. سوف أرى الأراضي التي سار عليها خالد، والاماكن التي خاض فيها معاركه، والرمال التي سال عليها دم اعدائه. في لبنان لم يكن لدي عمل سوى تحديد موقع «أبو القدس»، وهو مكان انقذ فيه خالد رتلا محاصرا من المسلمين، وبعد أن حددت هذا المكان، سافرت الى سورية.

في سورية، ائمت في كل مدينة فتحها خالد: دمشق، حمص، تدمر، حلب، وشاهدت كل مكان قائل به خالد، وتعرفت على الموانع الصحيحة الجميع الاماكن المتبقية المذكورة في الجزء الرابع من هذا الكتاب. في دمشق شاهدت أسوار قلعتها، وهي آثار لاتزال باقية ماعدا في جزئها الغربي حيث اختفت تماما، كذلك شاهدت الأبواب السنة التي لا تزال اسماؤها كما كانت في عهد خالد، لكن داخل القلعة تغير كليا، وعندما كنت في دمشق، انتهزت الفرصة السانحة وزرت المتحف الوطني و درست بعض المراجع القيمة التي لا أملك مثلها في مكتبتي الخاصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

Alois Musil

? 1?